أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
99
العقد الفريد
أيها الناس ، إن هذا الأمر كان النظر فيه إلى علي والرضا إلى غيره ، فجئتم إلى عبد اللّه بن قيس مبرنسا فقلتم ، لا نرضى إلا به . وأيم اللّه ما استفدنا به علما ، ولا انتظرنا منه غائبا ، وما نعرفه صاحبا ، وما أفسدا بما فعلا أهل العراق ، وما أصلحا أهل الشام ، ولا رفعا حقّ علي ، ولا وضعا باطل معاوية ، ولا يذهب الحقّ رقية « 1 » راق ، ولا نفخة شيطان ، ونحن اليوم على ما كنا عليه أمس . احتجاج عليّ على أهل النهروان قالوا : إن عليا لما اختلف عليه أهل النهروان والقرى وأصحاب البرانس ، ونزلوا قرية يقال لها حروراء ، وذلك بعد وقعة الجمل ، فرجع إليهم علي بن أبي طالب فقال لهم : يا هؤلاء ، من زعيمكم ؟ قالوا : ابن الكواء . قال : فليبرز إلي . فخرج إليه ابن الكواء ، فقال له عليّ : يا بن الكواء ، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين ، ومقامكم بالكوفة ؟ قال : قاتلت بنا عدوّا لا نشك في جهاده ، فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ، فبينما نحن كذلك ، إذ أرسلت منافقا ، وحكّمت كافرا ، وكان مما شكك في أمر اللّه أن قلت للقوم حين دعوتهم : كتاب اللّه بيني وبينكم ، فإن قضى عليّ بايعتكم ، وإن قضى عليكم بايعتموني . فلو لا شكّك لم تفعل هذا والحقّ في يدك . فقال عليّ : يا بن الكواء ، إنما الجواب بعد الفراغ ؛ أفرغت فأجيبك ؟ قال : نعم . قال علي : أما قتالك معي عدّوا لا تشك في جهاده فصدقت ، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم ؛ وأما قتلانا وقتلاهم ، فقد قال اللّه في ذلك ما يستغنى به عن قولي ؛ وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر ، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا ، ومعاوية حكّم عمرا ، أتيت بأبي موسى مبرنسا ، فقلت : لا نرضى إلا أبا موسى ! فهلا قام إلى رجل منكم فقال : يا علي ، لا تعط هذه الدنية فإنها ضلالة ؟ وأما قولي لمعاوية : إن جرّني إليك كتاب اللّه تبعتك ، وإن جرك إليّ تبعتني ؛ زعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك ، فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا الأمر ، فحدّثني ويحك عن
--> ( 1 ) الرقية : العوذة التي يرقى بها المريض ونحوه